شتـاء أحمر - الفصل 4:| الدم لا يكذب| - بقلم Ronaaa - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: شتـاء أحمر
المؤلف / الكاتب: Ronaaa
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 4:| الدم لا يكذب|

الفصل 4:| الدم لا يكذب|

استيقظت على رائحة الرطوبة والعفن.. رأسي يؤلمني بشدة، وفمي جاف تمامًا. حاولت تحريك يدي، لكنها كانت مقيدة خلف ظهري. حبل خشن يحفر في معصمي. فتحت عيني ببطء. الظلام كان كثيفًا، لكن بصري بدأ يتكيف تدريجيًا. كنت جالسة على أرضية خشبية قديمة، ظهري مسنود إلى جدار حجري بارد. نظرت حولي. الغرفة صغيرة، بلا نوافذ، مضاءة فقط بضوء شمعة واحدة موضوعة في زاوية بعيدة. الجدران حجرية، السقف خشبي متصدع، والأرضية مغطاة بطبقة من التراب والأوساخ المتراكمة. كنت أعرف هذا المكان. السرداب. سرداب بيت الغول. قلبي بدأ يدق بسرعة. حاولت الوقوف، لكن قدمي كانتا مقيدتين أيضًا. حاولت سحب الحبال، لكنها كانت محكمة. "لا فائدة من ذلك." صوت جاء من الظلام، جعلني أتجمد. من الزاوية المقابلة، خرج رجل إلى دائرة الضوء الخافتة. كان فيليب كالدويل، المحامي، لكنه الآن لم يعد يرتدي البدلة الأنيقة. بل كان يرتدي ملابس بسيطة، قميصًا أسود وبنطالًا داكنًا. في يده مصباح كهربائي. "أين أنا؟" سألت، رغم أنني كنت أعرف الإجابة. "تعرفين أين أنتِ." وجه المصباح نحوي. "عدتِ إلى المكان الذي كان يجب ألا تأتي إليه من البداية." "لماذا فعلت هذا؟ ماذا تريد مني؟" اقترب، ركع أمامي، وجهه على بعد سنتيمترات من وجهي. "ما أريده؟" ضحك ضحكة جافة. "أريد أن أحمي هذه المدينة. أن أحمي عائلتي. وأنتِ، يا آنسة هيل، تمثلين خطرًا على كليهما." "أنا لم أفعل شيئًا!" "لكنك تبحثين. تحفرين. تمامًا كما فعل أخوك. وانظري إلى ما حدث له." شعرت بغضب يتصاعد في صدري. "أنت... أنت من قتل كايل؟" "ليس أنا شخصيًا. لكن نعم، عائلتي أعطت الأمر. كان لازم. كان يعرف أكثر مما يجب." "أيها الوغد!" حاولت أن أنطح رأسي في وجهه، لكنه تفاداني بسهولة، نهض وابتعد. "عنفك لن يساعدك يا لوميرا. أنتِ هنا الآن، وما سيحدث... حتمي." "ما الذي سيحدث؟ ماذا تنوي أن تفعل بي؟" استدار لينظر إلى الدائرة المحفورة على الأرض، تلك الدائرة التي رأيتها في زيارتي الأولى. "سنعطيه ما يريد. ما طلبه." "من؟ الغول؟" ابتسم ابتسامة باردة. "هذا ما تسمينه. نحن نسميه بأسماء أخرى. الحارس. القديم. المتغذي." "أنتم مجانين. تتعبدون لشيء... لوحش!" "نحن لا نتعبده." صوته أصبح أكثر حدة. "نحن نتعايش معه. منذ أجيال. منذ جاء أجدادنا إلى هذه الأرض ووجدوه هنا، ينتظر." "ينتظر ماذا؟" "الطعام. التقدمات. الأرواح." شعرت ببرودة تتسلل إلى عظامي. "تقصد... تقصد أنكم تطعمونه الناس؟" "ليس الناس. فقط... من يجب. من يتدخل. من يكتشف. من يصبح خطرًا." نظر إليّ بعيون باردة. "مثلك." "هذا جنون! لا يمكنكم الاستمرار في هذا! المفتش راميريز يعرف أنني هنا، سيبحث عني..." "المفتش راميريز لن يجدك. ولو وجدك، لن يفعل شيئًا. هو يعرف القواعد، يعرف كيف تعمل الأمور في بلاكريدج." "أنتم كلكم وحوش. كلكم مثله." "ربما." جاء واقفًا فوقي. "لكننا وحوش أحياء. ونريد أن نبقى كذلك." سمعت أصواتًا من الأعلى. خطوات على الأرضية الخشبية. أصوات أناس يتحدثون. "من هناك؟" سألت. "بقية العائلة. جئنا جميعًا. هذه ليلة خاصة." "ليلة خاصة؟" "نعم." نظر إلى ساعته. "منتصف الليل. الوقت المثالي. عندما تكون الحدود بين العوالم أضعف، عندما يكون... جائعًا." *** بعد دقائق، بدأوا ينزلون إلى السرداب. واحد تلو الآخر، نزلوا السلم الخشبي. ستة أشخاص في المجمل، كلهم يرتدون ملابس داكنة. رجال ونساء، أعمارهم متفاوتة، لكن كلهم يحملون نفس التعبير الجاد، نفس النظرة الباردة. وقفوا في دائرة حول الدائرة المحفورة على الأرض. أحدهم، رجل في الستينات بشعر أبيض وملامح صارمة، كان يحمل كتابًا قديمًا، جلده بني داكن متشقق. "هل هي جاهزة؟" سأل بصوت عميق. "نعم يا سيد ويذرسبون." رد كالدويل. السيد ويذرسبون. إذًا هذا هو رأس العائلة. نظر إليّ بعيون زرقاء باهتة، خالية من أي مشاعر. "لوميرا هيل. أخت كايل هيل. جئتِ تبحثين عن إجابات." لم أجب. "سأعطيك إجابة واحدة، قبل أن نبدأ. سأخبرك الحقيقة التي مات أخوك وهو يحاول معرفتها." انتظرت، قلبي يدق بقوة. "عائلتي، عائلة ويذرسبون، جاءت إلى هذه الأرض عام 1891. كان جدي الأكبر، إدوارد ويذرسبون، رجل أعمال طموح، أراد بناء إمبراطورية. اشترى الأرض، بنى المصانع، جلب العمال. بنى هذا المنزل لعائلته." فتح الكتاب القديم، قلب بضع صفحات. "لكنه لم يكن يعرف أن هذه الأرض... مسكونة. أن شيئًا يعيش هنا منذ قرون، ربما آلاف السنين. شيء قديم، شيء جائع." "الغول." همست. "نعم. في البداية، حاول إدوارد محاربته. جلب صيادين، كهنة، أي شخص يمكنه المساعدة. لكنهم كلهم فشلوا. كلهم ماتوا. حتى أدرك أنه لا يمكن قتله، لا يمكن طرده." "فماذا فعل؟" "تفاوض." صمت. "تفاوض؟ مع وحش؟" "مع كيان. كيان ذكي، قديم، له حاجات. واكتشف إدوارد أن حاجاته... يمكن تلبيتها." "الناس. أعطاه الناس." "نعم. في البداية، كانوا عمالًا، مشردين، أشخاصًا لن يُفتقدوا. لاحقًا، أصبح الأمر أكثر... تنظيمًا. كل بضع سنوات، نختار أحدًا. شخصًا اكتشف أكثر مما يجب، أو أصبح خطرًا على السر." "وفي المقابل؟" "في المقابل، يتركنا وشأننا. يترك المدينة تعمل، يترك عائلتنا تزدهر. وأحيانًا... يساعدنا." "يساعدكم؟ كيف؟" ابتسم ابتسامة مخيفة. "بطرق لا يمكنك تخيلها. الأعداء الذين يختفون. المنافسون الذين يموتون في حوادث. المشاكل التي تُحل بطرق... غير متوقعة." شعرت بالاشمئزاز. "أنتم شياطين. كلكم." "نحن ناجون يا آنسة هيل. في عالم قاسٍ، نفعل ما يجب لنبقى." "وماذا عن الأبرياء؟ ماذا عن الأطفال الذين اختفوا؟ ماذا عن أخي؟" "أخوك لم يكن بريئًا. كان فضوليًا. اكتشف أشياء، وثائق قديمة، تقارير، صورًا. كان سيكشف كل شيء." "كان يحاول فعل الصواب!" "الصواب؟" ضحك بمرارة. "لا يوجد صواب وخطأ يا آنسة هيل. فقط البقاء والموت." نظر إلى الآخرين، أومأ برأسه. "حان الوقت. أحضروها إلى الدائرة." *** اثنان منهم جاءا نحوي، أمسكا بذراعي بقوة. حاولت المقاومة، الركل، الصراخ، لكن قوتهم كانت أكبر بكثير. جروني نحو الدائرة، وضعوني في المركز، فوق تلك البقعة الداكنة التي رأيتها في زيارتي الأولى. قيدوا يدي وقدمي إلى أوتاد خشبية مثبتة في الأرض، تاركيني ممددة على ظهري، غير قادرة على الحركة. السيد ويذرسبون وقف عند حافة الدائرة، فتح الكتاب القديم، وبدأ يقرأ بلغة لم أفهمها. كلمات غريبة، قديمة، تبدو أقرب إلى الطقوس منها إلى أي لغة حية. الآخرون وقفوا حول الدائرة، أيديهم ممدودة، عيونهم مغلقة، شفاههم تتحرك بصمت. شعرت بشيء يتغير في الهواء. برودة أعمق، كثافة أثقل. الشمعة الوحيدة بدأت تومض، والظلال على الجدران بدأت تتحرك بطريقة غير طبيعية. ثم سمعته. ذلك الصوت. الحفيف. شيء يتحرك في الظلام، يقترب. "لا... لا من فضلكم..." لكنهم لم يتوقفوا. واصل السيد ويذرسبون القراءة، صوته يرتفع تدريجيًا، الكلمات الغريبة تملأ السرداب. من الفتحة في الجدار، من ذلك النفق المظلم، بدأ الشيء يظهر. أولًا، الأطراف الطويلة الملتوية. ثم الجسد النحيل. ثم الرأس الضخم، والأعين الستة الحمراء المتوهجة. الغول. خرج ببطء من النفق، زحف نحو الدائرة. كل حركة مصحوبة بذلك الصوت المقزز، عظام تحتك، مخالب تخدش الحجر. وقف عند حافة الدائرة، لم يدخلها. فقط وقف هناك، رأسه مائل، يحدق بي بتلك الأعين الستة. السيد ويذرسبون توقف عن القراءة، أغلق الكتاب. "لقد أحضرنا لك ما وعدنا به. روح أخرى. روح تبحث، روح مرتبطة بالماضي." الغول لم يتحرك. فقط استمر في التحديق بي. ثم، فتح فمه الواسع، وذلك الصوت المعدني الهامس خرج منه: "أعرفها... رأيتها... من قبل..." السيد ويذرسبون بدا مرتبكًا للحظة. "نعم، جاءت إلى هنا قبل أيام. لكن الآن، هي لك. خذها." لكن الغول لم يتحرك. بدلًا من ذلك، اقترب أكثر من الدائرة، عيونه الستة مثبتة عليّ. "ليست... مثل... الآخرين..." "ماذا تقصد؟" سأل ويذرسبون، وبدأ التوتر يظهر في صوته. الغول بدأ يتحرك حول الدائرة، ببطء، يفحصني من زوايا مختلفة. "هي... تحمل... علامة..." "علامة؟ أي علامة؟" فجأة، الغول أدار رأسه بسرعة مخيفة نحو السيد ويذرسبون. "أنتم... كذبتم..." "ماذا؟ نحن لم..." "كذبتم!" الصوت أصبح أعلى، أكثر غضبًا، صدى يهز جدران السرداب. الخوف بدأ يظهر على وجوه أفراد العائلة. بدأوا يتراجعون، يبتعدون عن الدائرة. الغول استدار بالكامل نحوهم، ترك الدائرة، بدأ يزحف في اتجاههم. "انتظر!" صرخ ويذرسبون. "لدينا اتفاق! كان هناك دائمًا اتفاق!" "الاتفاق... انتهى..." ثم، بسرعة مرعبة، انقض الغول على أقرب شخص له، امرأة شابة في الثلاثينات. صرخت، لكن صرختها قُطعت بسرعة. صوت تمزيق. صوت عظام تنكسر. الآخرون بدأوا يركضون نحو السلم، يتدافعون، يصرخون. لكن الغول كان أسرع. واحد تلو الآخر، أمسكهم. وواحد تلو الآخر، صرخاتهم ملأت السرداب ثم خفتت. أغلقت عيني، حاولت ألا أسمع، ألا أرى. لكن الأصوات كانت في كل مكان. ثم... صمت. صمت مطلق. فتحت عيني ببطء. الغول كان واقفًا في منتصف السرداب، محاطًا بأجساد ممزقة، ملطخًا بالدم. الأعين الستة الحمراء تتوهج بشكل أكثر سطوعًا. ببطء، استدار نحوي. زحف باتجاه الدائرة، باتجاهي. قلبي توقف. هذه هي النهاية. وصل إلى حافة الدائرة، مد أحد أطرافه الطويلة، مخالبه تقطر دمًا. لمس حافة الدائرة، وللحظة، بدا شيء يومض، حاجز غير مرئي. لكنه دفع أكثر، واخترق الحاجز. مد الطرف نحو وجهي. المخالب على بعد سنتيمترات من جلدي. ثم... توقف. رأسه مال، الأعين الستة تفحصني بدقة. "أنتِ... لست... للأكل..." صوتي خرج مرتعشًا: "ماذا... ماذا تقصد؟" "أنتِ... مميزة... تحملين... شيئًا..." "ما هو؟ ماذا أحمل؟" بدلًا من الإجابة، مد طرفًا آخر، لمس جبيني برفق مفاجئ. وفجأة، غمرتني الذكريات. *** رأيت نفسي طفلة، في السابعة من عمري، ألعب في حديقة منزل قديم. منزل لم أره من قبل، لكنني عرفته. عرفته في أعماقي. كان هذا البيت. بيت الغول. لكنه لم يكن محترقًا بعد. رأيت رجلًا يخرج من الباب، رجل عجوز بشعر أبيض، يبتسم لي. سمعت صوتًا ينادي: "لوميرا! تعالي يا عزيزتي، حان وقت العشاء!" ثم الذكرى تغيرت. رأيت نفسي في السرداب، لكن أصغر سنًا، طفلة خائفة. أمامي، الغول، لكنه لم يكن يهاجم. بل كان يتحدث، بصوت مختلف، أكثر نعومة: "لا تخافي يا صغيرتي... أنتِ آمنة... أنتِ من عائلتي..." ثم ذكرى أخرى. أمي، تبكي، تمسك بيدي: "يجب أن تنسي يا لوميرا. يجب أن تنسي كل شيء عن هذا المكان. عن جدك. عن كل شيء." الذكريات توقفت. عدت إلى الحاضر، إلى السرداب، إلى الغول الذي يحدق بي. "أنتِ... من الدم... دم ويذرسبون..." "ماذا؟" بالكاد استطعت الهمس. "أمك... كانت... إليزابيث ويذرسبون... الطفلة... التي اختفت..." الصدمة ضربتني كموجة. إليزابيث. الطفلة التي اختفت عام 1953. التي لم يجدوا جثتها أبدًا. "لكن... لكن هذا مستحيل..." "ليس... مستحيلًا... أخذتها... حميتها... ربيتها... ثم أطلقتها... لتعيش..." "لماذا؟" "لأنها... لم تكن... مثلهم... لم تكن... شريرة..." فهمت فجأة. أمي كانت إليزابيث ويذرسبون. هربت من هذا المكان، غيرت اسمها، عاشت حياة جديدة. لكنها لم تخبرني أبدًا. لم تخبر أحدًا. "وأنا... أنا حفيدتها." "نعم... وأنتِ... تحملين... جزءًا مني... في دمك..." مد مخلبه، قطع الحبال التي تقيدني بحركة سريعة واحدة. "اذهبي... اتركي... هذا المكان... لا تعودي..." جلست ببطء، أنظر إلى المخلوق الذي كان يجب أن يقتلني، لكنه بدلاً من ذلك... أنقذني. "لماذا... لماذا تفعل هذا؟" "لأنك... آخر... من عائلتي الحقيقية... آخر... من يهمني..." نهضت بصعوبة، ساقاي ترتعشان. نظرت إلى الأجساد الممزقة حولنا. "هم... ماذا عنهم؟" "هم... ليسوا... عائلة... هم... خونة... مستخدمون... استغلوني... لعقود... والآن... دفعوا الثمن..." أومأت برأسي ببطء، غير قادرة على الكلام. بدأت أمشي نحو السلم، كل خطوة ثقيلة. عند قاعدة السلم، استدرت لأنظر إليه مرة أخيرة. "ماذا ستفعل الآن؟" "سأنام... لوقت طويل... لا مزيد من... التقدمات... لا مزيد من... الاتفاقات... فقط... نوم..." "إلى الأبد؟" "ربما... أو ربما... حتى يحتاجني... أحد... حقًا..." صعدت السلم ببطء، تاركة السرداب، تاركة الغول، تاركة كل تلك الأجساد خلفي. *** خرجت من البيت إلى ليل بلاكريدج البارد. الثلج كان يتساقط بكثافة الآن، يغطي كل شيء ببياض نقي. مشيت عبر الغابة، عبر الطريق الترابي، حتى وصلت إلى السيارة المستأجرة التي تركتها هناك. جلست خلف المقود، أيدي ترتعش على المقود. نظرت إلى المرآة. وجهي شاحب، ملطخ بالدماء، عيناي واسعتان من الصدمة. لكنني كنت حية. أدرت المحرك، وقدت بعيدًا. بعيدًا عن البيت. بعيدًا عن بلاكريدج. بعيدًا عن كل شيء. لكن بينما كنت أقود، فكرت في كلمات الغول: "أنتِ تحملين جزءًا مني في دمك." ولأول مرة منذ سنوات، فهمت لماذا كنت دائمًا مختلفة. لماذا كنت أرى أشياء لا يراها الآخرون. لماذا كنت أحلم بذلك المكان حتى قبل أن أعود إليه. لأنني لم أكن إنسانة عادية. كنت شيئًا... آخر. وهذه الحقيقة، أكثر من أي شيء آخر، كانت الأكثر رعبًا.